الملا فتح الله الكاشاني

66

زبدة التفاسير

شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم ، فإنّ الشهادة إخبار عن علم من الشهود ، وهو الحضور والاطَّلاع ، ولذلك صدّق اللَّه تعالى المشهود به وكذّبهم في الشهادة بقوله : * ( وَاللَّه يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُه ) * على الحقيقة ، وكفى باللَّه شهيدا * ( واللَّه يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) * في قولهم : نشهد ، وادّعائهم فيه المواطاة ، لأنّهم لم يعتقدوا ذلك . أو لأنّ قولهم لمّا خلا عن المواطاة لم يكن شهادة في الحقيقة ، فهم كاذبون في تسميته شهادة . أو إنّهم لكاذبون عند أنفسهم ، لأنّهم كانوا يعتقدون أنّ قولهم : « إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه » كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه . ولمّا كان الاكتفاء بقوله : « نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه واللَّه يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُه واللَّه يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ » يوهم أنّ قولهم هذا كذب ، وسّط بينهما قوله : « واللَّه يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُه » ليميط هذا الإيهام . * ( اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ ) * حلفهم الكاذب ، أو شهادتهم هذه ، فإنّها تجري مجرى الحلف في التوكيد ، كقولك : أشهد باللَّه وأعزم باللَّه في موضع : أقسم * ( جُنَّةً ) * وقاية من القتل والسبي * ( فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّه ) * صدّا أو صدودا عن الإيمان بمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم * ( إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * من نفاقهم وصدّهم النّاس عن سبيل اللَّه أو صدودهم . * ( ذلِكَ ) * إشارة إلى سوء عملهم ، أي : ذلك القول الشاهد بأنّهم أسوأ الناس أعمالا . أو إلى حالهم المذكورة ، من النفاق والكذب والاستجنان بالإيمان . * ( بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ) * بسبب أنّهم نطقوا بكلمة الشهادة ، وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام * ( ثُمَّ كَفَرُوا ) * ثمّ ظهر كفرهم بعد ذلك وتبيّن بما اطَّلع عليه من قولهم : إن كان ما يقوله محمّد حقّا فنحن حمير . وقولهم في غزوة تبوك : أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر ؟ هيهات . ونحوه قوله تعالى : * ( يَحْلِفُونَ بِاللَّه ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ ) * « 1 » أي : ظهر كفرهم بعد أن أسلموا .

--> ( 1 ) التوبة : 74 .